د.
دانيال عيّوش
معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي
|
|
1بدء
إنجيل يسوع المسيح ابن الله، 2كما هو مكتوب في إشعياء النبي(*):
"ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي
الذي يهيّئ طريقك قدامك.
3صوتُ
صارخٍ في البرية:
اعدّوا طريق الرب،
اصنعوا سبله مستقيمة."
4كان
يوحنا يعمد في البرية ويكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا. 5وخرج
اليه جميع كورة اليهودية وأهل أورشليم واعتمدوا جميعهم منه في نهر الأردنّ معترفين
بخطاياهم.
في
هذه الدراسة القصيرة أودّ أن أشير إلى أنّ اختيار الراوي لمكان ما تجري فيه افتتاحية عمله الأدبي
لا يتم صدفةً ولا ارتجالاً، بل يأتي كتنيجة طبيعية لأسباب وقصد الرواية.
وقع
اختيار كاتب الإنجيل الثاني على أن يبادر روايته "في البرية" (في
اليونانية en
te eremo).
لماذا يبتدي العمل بالضبط "في البرية"؟ هل نكتفي بالرأي القائل بأنّ
القديس مرقس كتب هكذا فقط لأنّه هكذا حدث؟ هل يجب علينا أن نتبع العقلية القائلة
بأن الأناجيل بمثابة محاضر تاريخية لأفعال يسوع ؟ أم هل هناك، إلى جانب المعطيات
التاريخية، أبعاد تعليمية وتبشيرية في سرد أقوال يسوع وأعماله ؟ لندرس هذا الموضوع
انطلاقًا من النص المذكور أعلاه حتى نكتشف معًا دور البرية كالمكان الأساسي لبدء
العمل الإلهي.
بادئ ذي بدء يأتي مفهوم البرية كالضد الأول لمفهوم
المدينة. فوُجدت المدينة لكي تسهّل على الإنسان تسديد حاجاته الحياتية ابتداءً من
الأكل والشرب مرورًا بالتعايش و التضامن ووصولاً إلى الأمان والازدهار الفكري
والمادي. المدينة الشرقأوسطية القديمة تأسست على نظام اجتماعي يوزع أدوار الأفراد
تحت رئاسة حكومة الملك الذي عليه أن يؤمن السلام والأمان بحكم عادل وبالحق.[1]
إذن المدينة واحة في البرية تجري منها وفيها مياه الحياة. هذا ما قصده النبي عاموس
عندما قال: "وليجرِ الحق كالمياه والبرّ كنهر
دائم" (عا 5: 24)
أما
البرية فهي ترمز إلى مكان خرب وخالٍ لم تدُسْه قدم إنسان بعد. تشير البرية إلى العالم المجهول والمخيف لأنه يهدد
وجود الإنسان. في البرية وحوش عدة. هناك وحوش شاهد المرء وجودها وهناك وحوش لم
ترَها بعد عينٌ بشرية. وكم عددها كبير، وكم افتراسها مرعب في مخيلة الإنسان! [2]
هكذا
أخذت البرية صورة العالم الشرير، مسكن الشياطين والأرواح النجسة. ولما حمّل الإنسان البرية رموز الشر والفوضى
والموت، قد أبعد عن نفسه وعن مدينته هذه المخاطر، ولو إلى حينٍ، وأمّن حياة سالمة
لدى الألوهة المحسنة والمنعمة، التي يمثلها في الدرجة الأولى الملك المُخلِص لها،
كما كلّم النبي ناثان داودَ الملك عن ابنه سليمان: "متى كملت أيامك واضطجعت
مع آبائك أقيم بعدك نسلك الذي يخرج من أحشائك وأثبت مملكته. هو يبني بيتًا لاسمي
وأنا أثبت كرسي مملكته إلى الأبد. أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا...
ويأمن بيتك ومملكتك إلى الأبد أمامك.كرسيك يكون ثابتا إلى الأبد." (2 صم 7:
12-14).
ولكن،
ما الذي يحصل إذا كانت المدينة تحت سيطرة الشر والمرض والموت؟ بكلام آخر، من أين
يرتوي الإنسان عندما، بدل مياه الحق والعدالة العذبة، تنبع من العرش الملوكي مياه
الظلم والفساد؟ لنقرأ معًا تهمة سفر حزقيال النبي لأخطاء أورشليم الحاكمة: "
وقل. هكذا قال السيد الرب. أيتها المدينة السافكة الدم في وسطها... هوذا رؤساء إسرائيل كل واحد حسب
استطاعته كانوا فيك لأجل سفك الدم.
فيك أهانوا أبًا وأمًّا. في وسطك عاملوا الغريب بالظلم. فيك اضطهدوا اليتيم
والأرملة" (حز 22: 3-8).
كيف
يلاقي الله في وضع كهذا شعبه المظلوم؟ كيف يحتالّ الله على هؤلاء الحكّام الكذبة
الدجالين؟
للقديس
مرقس جواب مميز في هذا الخصوص وهو يتعلق بإختياره البرية موضعًا رئيسيًا لإتمام
العمل الإلهي. عندما المدينة، أي المجتمع الإنساني، أصبحت أخطر من بيئة البراري
وعندما الملك الحاكم، الذي يجب أن يمثل مشيئة الألوهة، أصبح أشرّ الشياطين، أراد
الله أن يدعو شعبه المحَب من البرية، من الأرض العاقر، ليقطعوا معه عهدًا جديدًا
ويسلكوا وراء إلههم على سبل مستقيمة.
بما
أنّ الحاكم هو ظالم وكل امكاتيات التفاهم بينه وبين الله قد ضاعت (انظر مثلاً إر
2: 7-8)، شاء الله أن يظهر عمله الخلاصي دون وسيط وبشكل مطلق. وتبقى البرية المكان
الأنسب لتحقيق هذا المشروع الضروري. لماذا؟ لأنه إذا خرجت مجموعة بشرية إلى أرض
عاقر قاحلة واستطاعت أن تعيش فيها، فهذا يعني أن وحده الله يواكبهم ويعتني بهم. لم
يبقَ لله مكان آخر يعمل فيه دون أن يشوّش عليه أي إنسان من أجل إبراز مجده الشخصي.
لنوضح هذه الفكرة. إذا ظهر الله في أية مدينة وعمل الخير فيها للمظلومين، سيؤكد
ملكها أنه هو صاحب هذه الحسنات ومنبعها وسيخفي الإرادة الإلهية بغيةً لإظهار مجده
الباطل. وهكذا يعطل الاتصال بين الله وشعبه المسكين.
إلى
جانب ذلك، للبرية فائدة عظمى ألا وهي فائدة الامتحان. إذْ، بحسب حكمة هذا العالم،
من ذاك المرء المخبول الذي يقبل بترك ممتلكاته وراحته لينطلق إلى السير في البرية؟
وحده الخروف الذي يعرف صوت راعيه يقبل أن يتبعه إلى أي مكان كان لأنه يقول في
داخله "نعم، حتى إذا سرت في
وادي ظل الموت لا أخاف شرًا لأنك أنت معي" (مز 23: 4).
في
البرية يسقط كل من لا يتّكل على الله متمنيًا أن يعود إلى المدينة الفاسدة و يأكل
من "قدور اللحم ويشبع
خبزًا" (خر 16: 3). أما الشعب المؤمن، فيواظب صابرًا ويرجو الخلاص الأخروي، حينما يغذيه الله
من منّه السماوي (خر 16: 31). لهذا الشعب المسلم أمره لله يقول الرب في سفر إرمياء
النبي: " اذهب ونادِ في اذني أورشليم قائلاً: هكذا قال الرب. قد ذكرت لك غيرة
صباك محبة خطبتك ذهابك ورائي في البرية في أرض غير مزروعة" (إر 2: 2).
في
البرية الفرصة متساوية للجميع. في البرية يواجه الإنسان واقعه الحقيقي، فلا يوجد
حواليه أيُّ شيئ يسند نفسه إليه أو
يُنسب انتمائه إليه. في البرية يقف الإنسان أمام خالقه عريانًا وقدماه تتجذران على أرض تشبه عالم الموت والضلال. ففي هذا الوضع يستنتج الإنسان إنه
خاطئ مهما كان دينه، جنسه أو مهنته قبل توجهه إلى البرية. فيدرك أنه يجب عليه أن
يتوب، أي أن يترك طريقة حياته السابقة، وأن يطلب الغفران من الله، منبعه الوحيد
للحياة. ليس ما يفرّق البشر الخارجين إلى البرية والسالكين نحو الله: أكنت
فريسيًا؟ فأنت الآن فقط إنسان سالك على أرض جافة وتحت خطر الموت. أكنت عشارًا؟
فأنت أيضًا الآن فقط إنسان سالك على أرض جافة وتحت خطر الموت. وكذلك الأمر إن كنت
يهوديًا أم وثنيًا، عبدًا أم حرًا، ذكراً أم انثى (غل 3: 28). لا فرقَ بين هؤلاء
الأشخاص والقاسم المشترك بينهم هو وضعهم المخطر واتكالهم الكامل على الله.
يبدأ
إنجيل مرقس في البرية. يبدأ إنجيل
مرقس بدعوة من الله إلى البرية: "كان
يوحنا يعمد في البرية ويكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا"
(مر 1: 4). وهناك مَن يلبّي هذه الدعوة المقدسة ويتوب ويطلب الغفران: "وخرج
إليه جميع كورة اليهودية وأهل أورشليم واعتمدوا جميعهم منه في نهر الاردنّ معترفين
بخطاياهم" (مر 1: 5)؛ إذن إنجيل مرقس يبدأ بتكوين شعب جديد، بتكوين بني
آدم جدد ومتّكلين على مشيئة الرب. ويأتي يسوع الناصري كباكورة لهذا الشعب الجديد،
إذْ هو أول من يُخرجه الروح إلى البرية وهناك ينتصر يسوع على تجارب الشيطان (مر 1:
12). من آنذاك فصاعدًا يكرز المسيح بملكوت الإله الداعي من البرية، بملكوت التوبة
والخبر السارّ. هكذا يصبح يسوع المسيح مناديًا لذاك الإله أولاً في الجليل، ثمّ في
اليهودية وأورشليم. وتتبلور هذه المهمة المقدسة عندما نقرأ في الإنجيل عن
المناسبات المختلفة التي فيها عاد يسوع إلى البرية لملاقاة إلهه الأب ولاستدعاء
الشعب إلى هناك:
"وفي
الصبح باكرًا جدًا قام وخرج ومضى إلى موضع خلاء (eremon topon) وكان يصلّي هناك. فتبعه سمعان والذين معه. ولما وجدوه قالوا له
إن الجميع يطلبونك." (مر 1: 35-37).
وبعد هذا المشهد بسطور
قليلة يشدّد مرقس الإنجيلي على التناقض القائم بين المدينة في دورها السلبي للتبشير
وبين البرية كالمكان الأنسب للعمل الخلاصي:
"وأما
هو (الأبرص) فخرج وابتدأ ينادي كثيرًا ويذيع الخبر حتى لم يعد يقدر (يسوع) أن يدخل
مدينة ظاهرًا بل كان خارجًا في مواضع خالية (eremois topois) وكانوا يأتون اليه من كل ناحية" (مر 1: 45).
أخيرًا،
يستعمل مرقس القالب الأدبي "برية" أو "موضع خلاء" (في
اليونانية نقرأ المصطلح نفسه) كالمكان الذي يجتمع فيه شعب الله المهجور من رُعاته
والطالب الارتواء من مياه الحق:
"فقال
لهم تعالوا أنتم منفردين إلى موضع خلاء (eremon
topon)
واستريحوا قليلا. لأن القادمين والذاهبين كانوا كثيرين. ولم تتيسر لهم فرصة للأكل.
فمضوا في السفينة إلى موضع خلاء (eremon topon) منفردين. فرآهم الجموع منطلقين وعرفه كثيرون فتراكضوا إلى هناك
من جميع المدن مشاة وسبقوهم واجتمعوا إليه. فلما خرج يسوع رأى جمعًا كثيرًا فتحنّن
عليهم إذ كانوا كخراف لا راعي لها فابتدأ يعلمهم كثيرًا. وبعد ساعات كثيرة
تقدم إليه تلاميذه قائلين الموضع خلاء (eremos
topos)
والوقت مضى. اصرفهم لكي يمضوا إلى الضياع والقرى حوالينا ويبتاعوا لهم خبزًا. لأن ليس
عندهم ما يأكلون." (مر 6: 31-36).
كيف
يستطيع المرء أن يستريح ويأكل في موضع خلاء؟ ينصّ الجواب: "يستطيع إذا في ذاك
الموضع الخالي يلاقي الإنسان مَن خلق الكون من الخرابة والخلاء" (تك 1: 2). في
حضن الله يجد الإنسان راحته وطعامه الأسمى. في هذا المشهد يسوع المسيح، ابن الله،
يعتني بالإنسان ويعلّمه بغزارة تلك الكلمة التي تعطي للمستمعين حياة لافناء لها.
من آمن بالإنجيل،
خرج إلى البرية. وبعد صراع قاسٍ وأليم، وجد طلبه الوحيد: مياه لا تنضب وطعام لا
يفنى لإنها تنبع من منهل الحق والسلام ولأنها تروي كل شفتين تعترفان بخطايا القلب
وتقولان: " يا رب إلى من نذهب. كلام الحياة الأبدية عندك. ونحن قد آمنّا وعرفنا إنك أنت المسيح ابن
الله الحي" (يو 6: 68-69).
المراجع
طرزي،
بولس / مرقس
مايندورف، بلاماس
لونينغ / زنغر، الخلق
DENT
ThWNT
Marxen, El Evangelista
Marcos
الليتورجيا: "في البرية غير المثمرة..."،
هذا
ما نعرفه، على سبيل المثال، عن يربعام الثاني ملك اسرائيل الذي، حسب عاموس 7: 13،
اعتبر المدينة المقدسة بيت إيل (أي بيت الله) كـ"بيت الملك" و"بيت
مملكته" وهكذا جعل نفسه مكان الله، وقطع الأتصال بين الشعب وبين إلههم الذي
يقول لهم: "اني اذا قدمتم لي محرقاتكم وتقدماتكم لا ارتضي ... هل قدمتم لي ذبائح
وتقدمات في البرية اربعين سنة يا بيت اسرائيل" (عا 5: 22-25).
(*)
ترد في ترجمة دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط قراءة أخرى للآية الثانية: "كما
هو مكتوب في الأنبياء..." وتشهد المخطوطات اليونانية القديمة لصالح
القراءتين. إنما أنا قد فضّلت القراءة الواردة أعلاه لأنّها تتناسق مع لاهوت إنجيل
مرقس ولأنها تتناسب مع مبدأ القراءة الأصعب (lectio
difficilior).
[1] انظر مز 92؛ 96: 1-2؛ اش 11: 1-9
[2] مر 1: 13؛ رؤ 17: 3؛ لاوي
16: 22؛ اش 13: 19-22؛ 34: 12-15.